Baseerasincolor - the campaign
<

«بصيرة ماجد عثمان».. بين التفاؤل وعجز الاقتصاد


أ. د. ماجد عثمان

أكتوبر-2026



سلط الدكتور ماجد عثمان، الرئيس التنفيذى لمركز «بصيرة»، خلال مؤتمر بمركز معلومات مجلس الوزراء، الضوء على نقطة إيجابية تشهدها التركيبة السكانية لمصر، تُعرف علميًّا باسم «الهِبَة أو النافذة الديموغرافية»، وتتضمن انخفاض عدد المواليد بنحو ٤٠٪ خلال عشر سنوات مضت، وهو ما يمنح الدولة فرصة عظيمة للاستفادة من ذلك.

وللتبسيط، فإن «الهِبَة الديموغرافية» هى تقلص عدد المعَالين فى الأسرة، وبالتالى المجتمع، وبمثال توضيحى صغير هى: أنك إذا كنت تعول ٤ أفراد، فالآن تعول اثنين أو واحدًا.

الدكتور «عثمان» وضع يده على فرصة، نادرًا ما تأتى فى المجتمعات التى تنجح فى تنظيم النسل، وحدد الاستفادة فى إمكانية أن يقلل ذلك من أعداد التلاميذ المطلوب توفير أماكن لهم فى المدارس، بما يتيح فرصة لتحسين جودة التعليم إذا اتُّخِذَت السياسات المناسبة.

ما طرحه الرئيس التنفيذى لمركز بصيرة هو واقع فعلى، لكن للاقتصاد ورجاله رأيٌ آخر، خاصة أن غالبية الموازين التى يستخدمها المخطط المصرى للاقتصاد والاجتماع اختلت وما زال هذا الاختلال مستمرًا، كما يأتى صافى أرقامها بالسالب.. ولذلك فإن السؤال الذى يستحق أن نطرحه هو: هل انخفاض عدد الأطفال كافٍ لتحسين التعليم، أم أن المشكلة الأعمق تتعلق بقدرة الاقتصاد والدولة على تمويل هذا التحسن؟.

نظريًّا، تبدو المعادلة بسيطة؛ لأنه عندما يقلّ عدد المواليد، ينخفض الضغط تدريجيًّا على المدارس والفصول والمعلمين، ويمكن توجيه الموارد المتاحة إلى تحسين جودة التدريس، وتقليل كثافة الفصول، وتطوير المناهج، والاهتمام بمهارات الطلاب، بدلًا من الاكتفاء بتوفير مقعد لكل طفل.

لكن هذه النتيجة ليست تلقائية؛ لأن انخفاض المواليد اليوم لا يعنى انخفاض عدد التلاميذ بالقدر نفسه غدًا، خاصة أن الأطفال يلتحقون بالمدارس بعد سنوات، كما أن توزيع السكان والمدارس يختلف من منطقة إلى أخرى.

والأهم أن التخطيط لتوفير الموارد لا يعنى بالضرورة توافرها بالفعل؛ لأن الدولة تحتاج إلى زيادة الإنفاق الفعلى على جودة التعليم، وليس مجرد إعادة توزيع أعداد أقل من الطلاب على الإمكانات القائمة.

وتكشف أرقام موازنة العام المالى ٢٠٢٥/٢٠٢٦ حجم التحدى، إذ بلغت مخصصات التعليم نحو ٣١٥.١ مليار جنيه، والصحة نحو ٢٤٦.٢ مليار جنيه، وفقًا لبيانات وزارة المالية الواردة فى «تقرير موازنة الطفل».

بينما عند قراءة هذه الأرقام، يجب الانتباه إلى أنها مخصصات اسمية، وارتفاعها بالجنيه لا يعنى بالضرورة زيادة مماثلة فى قدرتها الشرائية أو تحسّن الخدمات المقدمة للمواطنين، بل الزيادة تضخمية، لا يوازيها أو يجاريها حجم وجودة الخدمات.

وهنا تظهر أهمية الاستحقاق الدستورى فيما يتعلق بالإنفاق الحكومى - وليس العام- على التعليم والصحة؛ فالمادة ١٩ من الدستور تنص على تخصيص ما لا يقل عن ٦٪ من الناتج المحلى الإجمالى للإنفاق الحكومى على التعليم، و١٪ على البحث العلمى، بينما تنص المادة ١٨ على تخصيص ما لا يقل عن ٣٪ للصحة، مع الالتزام بالزيادة التدريجية حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

ولذلك ينبغى ألا يتحول انخفاض المواليد إلى مبرر للاكتفاء بالإنفاق القائم، بل إلى فرصة لرفع جودة الخدمات والاقتراب من الاستحقاقات الدستورية.

غير أن مصروفات العام المالى الحالى ٢٠٢٦/٢٠٢٧ فى الإنفاق الحكومى- أى داخل الموازنة العامة للدولة- تستحوذ فوائد الدين على ٤٧٪ منها، وهو ما يصيب الاقتصاد المصرى بالعجز عن الاستفادة من أى فرصة، مثل فرص تغيير التركيبة السكانية وما يذكره دكتورنا المحترم ماجد عثمان من «الهبة الديموغرافية».

كذلك فإن ارتفاع أعباء الدين وتكاليف خدمته يضيّق مساحة الحركة أمام الموازنة، ويجعل الاختيار بين الإنفاق الجارى والاستثمار فى الإنسان أكثر صعوبة. والحل ليس مجرد إنفاق أكبر، وإنما توجيه الموارد نحو ما يرفع الإنتاجية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، بما يسمح بتمويل مستدام للصحة والتعليم. كما أن المشكلة لا تتوقف عند الموازنة.. فـ«الهبة الديموغرافية» لن تتحول إلى ثروة إذا لم يجد الشباب تعليمًا جيدًا، ورعاية صحية مناسبة، وفرص عمل منتجة.

وقد تنخفض أعداد الأطفال، بينما تتزايد أعداد المقبلين على سوق العمل، فتتحول الفرصة إلى ضغط جديد إذا عجز الاقتصاد عن خلق وظائف كافية، وامتصاص هذه الأعداد المتوقعة.. وهو ما يحتاج إلى إفساح حقيقى للطريق أمام القطاع الخاص والابتكار والشركات الناشئة.

إن ما طرحه أستاذنا ماجد عثمان مهم، لكنه يفتح بابًا لسؤال أوسع: ماذا ستفعل مصر بالمساحة التى يمنحها انخفاض المواليد؟!، هل ستكتفى بتخفيف الضغط على المدارس والمستشفيات، أم ستستثمر الفرصة فى بناء إنسان أكثر صحة وتعليمًا وقدرة على الإنتاج؟.

انخفاض المواليد يمنح مصر فرصة ديموغرافية، لكن الاقتصاد وحده، عبر الوظائف والإنتاج والموارد العامة والقطاع الخاص القوى والمدعوم، هو القادر على تحويل هذه الفرصة إلى تنمية يشعر بها المواطن.



المصرى اليوم