حرية تداول المعلومات.. بعيدا عن السياسة

مقالات

عبارة «حرية تداول المعلومات» تستدعى عند البعض الشق السياسى بكل ما فيه من حساسيات تفرضها حالة الصراع السياسى التى شهدتها مصر خلال فترة ما بعد ثورة 25 يناير، وتؤدى بالتالى إلى استبعاد حرية تداول المعلومات باعتبارها ترفا لا تحتمله طبيعة المرحلة. وحقيقة الأمر أن مردود حرية تداول المعلومات يتجاوز هذا المفهوم الضيق ويُسقط من حساباته تأثير حرية تداول المعلومات على الاقتصاد الوطنى وعلى القرار الذى يُحدد وجهة المستثمر (داخل مصر أم خارجها) سواء كان هذا المستثمر من المصريين أو الأجانب. ولا تقتصر أهمية المعلومات على كبار المستثمرين، ولكن شح المعلومات واحتكارها يؤثر بدرجة أكبر على المستثمر الصغير بما فى ذلك أصحاب المشروعات المتوسطة والصغيرة. ولا شك أن هذه الشريحة أقل قدرة على تحمل الصدمات والمفاجآت التى تزداد تبعاتها فى ظل غياب المعلومات. ومعظم المعلومات التى نقصدها فى هذا السياق لم يتم حجبها عمدا. ولكن لا يتم الاهتمام بإنتاجها أصلا، وإذا انتجت لا يتم إتاحتها بشكل مفيد للمستخدم، وإذا أتيحت لا تكون محدثة ولا تتاح بمستوى التفصيل المفيد.

مجال آخر لتأثير حرية تداول المعلومات هى مكافحة الفساد. وكما أن العدو الأول لخفافيش الظلام هو التنوير، فإن العدو الأول للفساد هو الشفافية والإفصاح. وهى قيم لا تصبح ملزمة فى مناخ معادٍ لحرية تداول المعلومات، يتحكم فى المجال العام ويحكم قبضته عليه بشكل تسلطى. والقيادات التى تحكم البلد حاليا تتميز بحسن السمعة ولا تشوبها أى شائبة تمس ذمتها المالية، ولكن الغريب أنها تتصور أن نزاهتها الشخصية كافية للقضاء على الفساد المجتمعى الذى يثقل كاهل المواطن. وبدون مناخ يُلزم الموظف العام سواء على المستوى المركزى أو المحلى بإتاحة المعلومات فسيكون لدينا نخب سياسية نزيهة تحافظ دون أن تقصد على بيئة يستشرى فيها الفساد. وهى ظاهرة يمكن تفهمها فى الأجل القصير ولكن لا يمكن الدفاع عنها بل ولا حتى تصديقها فى الأجل الطويل.

مجال ثالث لتأثير حرية تداول المعلومات هو تعزيز الثقة المتبادلة بين مؤسسات الدولة والمواطن، وهى قيمة أدى غيابها أو تراجعها إلى مخاطر أثرت على تماسك الوطن. ولأن إتاحة المعلومات هى قيمة سلبية لم تعتد عليها المؤسسات الحكومية فإنها تفوت على نفسها الإفصاح عن الإنجازات أو النجاحات. وعلى سبيل المثال، فإن مشروع مُلهم مثل مشروع قناة السويس لا يوجد حوله معلومات كافية. وقد أشرت إلى ذلك فى هذا المكان وذكرت أن موقع هيئة قناة السويس به رابط «قناة السويس الجديدة» وأن هذا الرابط لا يحوى سوى أقل من 5 أسطر حول المشروع (ملحوظة مازالت السطور الخمسة كما هى حتى كتابة هذا المقال).

وقد ذكرت فى مقالى أن من حق المصريين ــ الذين استجابوا بتلقائية شديدة تعبر عن ثقة فى صاحب دعوة الاكتتاب ــ أن يعرفوا ما هى خطة العمل وماذا يتم إنجازه. وأعتقد أن من واجب الحكومة ــ احتراما للمواطن المصرى ــ أن توفر بيانات دورية عن المشروع لإحاطة المواطن المصرى بالتقدم الذى يتم إحرازه والذى لا أشكك فيه. وإذا كنت أعبر عن دهشتى لعدم اهتمام الحكومة بالتواصل حول إنجازات تزيد من شعبيتها، فلا أستطيع أن أكتم قلقى من الإفصاح عن متابعة مشروعات تعانى من الفشل والذى ربما يرتبط بفساد إدارى لن يتحقق على الأرجح كشفه إلا بعد فوات الآوان.

وعندما ذكرت فى بداية هذا المقال أن البعض يستدعى دائما الشق السياسى لحرية تداول المعلومات فقد قصدت بعض المسئولين فى الجهات الأمنية الذين تتسع مساحة تدخلاتهم بدعوى حماية أمن الوطن والذين يفترضون أن حب الوطن والحرص على حماية أمنه يقتصر على النخب الأمنية دون غيرها، وتتحول هذه التدخلات إلى تعطيل مشروعات وأنشطة والتدخل فى صياغة قوانين بدون مبرر مفهوم. وتعيد هذه الممارسات إلى الأذهان ممارسات عصر يختلف إختلافا بينا من حيث درجة توافر ودرجة تقدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتختزل هذه الممارسات ربما بحسن نية أهمية المعلومات فى قيام اقتصاد قوى يستطيع خلق فرص عمل والحد من البطالة التى تهدد الأمن القومى بدرجة أكبر بكثير من إتاحة وتداول المعلومات. وتبدو بعض المواقف المتشددة أشبه بيافطة «ممنوع الاقتراب والتصوير»، التى كانت تمنع من يريد أخذ صورة تذكارية على كوبرى قصر النيل فى زمن كان جندى الحراسة يتصور أن وسيلة التصوير الوحيدة هى الكاميرا الموجودة فى أيدى الهواة، ولا يدور بخلده أنه سيأتى يوم تكون فيه خرائط جوجل متاحة على الإنترنت للكافة وتعرض المواقع الحساسة بمستوى أعلى من الدقة من الكاميرا التى يحملها شاب يريد إلتقاط صورة تذكارية تجمعه بخطيبته على نهر النيل.

كما أقصد أيضا الانتهازيين المستفيدين من فوبيا «اعتبارات الأمن القومى» والذين يجدون فى المزايدة بها فوائد شخصية، ويجدون فى ظلها دورا فى المجال العام لم يكن ليتاح لهم فى ظل الظروف غير الاستثنائية، وهم من ثم حريصون على استمرار هذا الدور بغض النظر عن المصلحة العامة لوطن لن يتقدم إلى الأمام دون مشروع حقيقى لتحديث مصر لا يمكن تنفيذه أو الحديث عنه دون إنتاج المعلومات وتداولها بين جميع شركاء التنمية.



استطلاعات اخري

المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) هو مركز مستقل، ولا يوجد له أية انتماءات حزبية أو سياسية، لإجراء بحوث الرأي العام بحيادية ومهنية. تأسس المركز في إبريل 2012 في أعقاب ثورة 25 يناير، ويلتزم بتزويد الباحثين، وواضعي السياسات، وقادة الأعمال، وعامة الناس بمعلومات موثوق بها عن مستوى واتجاهات الرأي العام بخصوص الموضوعات والسياسات ذات الاهتمام العام.

للاشتراك - ادخل بريدك الالكتروني

Back to Top