الزيادة السكانية: ضمان لقوة الدولة أم معوق للتنمية؟

مقالات

دعونا نبدأ بموقف محايد من الزيادة السكانية ونبتعد فى نقاشنا عن الأحكام المسبقة، ونستعرض أثر الزيادة السكانية على بقاء وتقدم الأمم.

من المؤكد أن التناسل هو ضرورة للحفاظ على الجنس البشرى وهو حتمية لوجود الدولة وبقائها، لأن التراجع الحاد فى أعداد السكان يؤدى بالضرورة إلى تراجع القوة البشرية التى تدافع عن الدولة، المتمثلة فى جيش يدافع عن حدودها، وإلى تراجع القوة البشرية التى تبنى الدولة والمتمثلة فى قوة العمل التى تدير عجلة الإنتاج وتوفير الخدمات الأساسية لسكان الوطن. واستمرار هذا التراجع فى أعداد السكان قد يؤدى إلى انقراض السكان بطبيعة الحال ويؤدى من ثم إلى زوال الدولة. وبالتالى فإنه من المنطقى أن تسعى المجتمعات إلى الحفاظ على بقائها من خلال عدم انخفاض عدد سكانها.

وإذا كان وجود زيادة سكانية فى أى مجتمع هو ضرورة لإحلال الوفيات التى تحدث سنوياً، ولتجديد شباب هذا المجتمع وبقائه، فيصبح السؤال الملح ما هو معدل الزيادة السكانية المناسبة؟ الإجابة البديهية هى أن تتساوى أعداد المواليد والوفيات، وبالتالى يظل عدد السكان ثابتاً. ولكن إذا فاق عدد المواليد عدد الوفيات فما هو تأثير هذه الزيادة على تقدم الوطن؟ للإجابة عن هذا السؤال نقول إن الزيادة السكانية تؤدى إلى تقدم الأمم إذا تحققت الشروط التالية:

1) أن يترتب على هذه الزيادة زيادة مقابلة فى الإنتاج الحقيقى للدولة، بمعنى أن تؤدى الزيادة السكانية إلى زيادة فى أعداد المنتجين والمبدعين وليس فى أعداد المتعطلين.

2) أن يترتب على الزيادة السكانية خفض فى معدلات الفقر وزيادة فى متوسط الدخل بحيث تصاحب الزيادة فى حجم السوق زيادة مماثلة فى القوة الشرائية تصبح دافعاً لتنشيط التصنيع المحلى، وبالتالى يصبح المجتمع قادرا على خلق فرص عمل منتجة.

3) ألا تؤدى الزيادة السكانية إلى تراجع فى نوعية الحياة أو إلى تراجع فى إتاحة الخدمات الأساسية أو إلى تدنى جودة هذه الخدمات.

4) ألا تؤدى الزيادة السكانية إلى الإضرار بالبيئة واستنزاف الموارد الطبيعية لاسيما الأرض الزراعية ومصادر الطاقة.

5) ألا تؤدى الزيادة السكانية إلى خفض درجة الاكتفاء الذاتى من السلع الاستراتيجية، مثل السلع الغذائية، ومصادر الطاقة وبالتالى إلى تزايد الاعتماد على الخارج وهو ما يؤثر بدوره على استقلال القرار الوطنى.

حتى نتدارس هذه الشروط فى ضوء الوضع فى مصر من الواجب أن نتأمل مستوى الزيادة السكانية التى تشهدها مصر. تشير الإحصاءات الرسمية إلى أنه خلال عقدى الثمانينيات والتسعينيات كان الفارق السنوى بين المواليد والوفيات حوالى مليون ونصف مليون نسمة، وبالتالى ازداد عدد سكان مصر بحوالى 30 مليون نسمة خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضى. وابتداء من عام 2006 اتجه عدد المواليد السنوى للزيادة التدريجية من مليون و850 ألف مولود ليصل عام 2012 إلى 2 مليون و600 ألف نسمة، وهى زيادة نسبية أظنها لم تتكرر كثيراً فى التاريخ البشرى فى مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة. ويترتب على هذه الزيادة ضغط هائل على الخدمات فى ظل موارد محدودة. وأحد هذه الضغوط هو الحاجة لزيادة عدد الفصول بـ 40% لاستيعاب هذه الزيادة الإضافية، لمجرد الحفاظ على مستوى كثافة الفصول الحالى الذى يشكو منه الجميع. وهو ما يعنى إضافة حوالى 90 ألف فصل جديد فى المرحلة الابتدائية على مدى السنوات الثلاث القادمة تتكلف نحو 18 مليار جنيه. والمبلغ على ضخامته ليس هو المشكلة الوحيدة، ويضاف إليها تحدى توفير الأراضى لبناء مدارس جديدة وهو تحدٍّ يزيد الأمر صعوبة لاسيما فى المناطق الريفية التى ستضطر للتضحية بمزيد من الأراضى الزراعية لتبنى عليها مدارس.

وإذا استعرضنا الشروط الخمسة المذكورة، نخلص إلى ما يلى:

1) فى ضوء قدرات المجتمع المحدودة لن تتمكن منظومة التعليم العام من استيعاب الزيادة فى أعداد التلاميذ فى سن التعليم والمقدرة بـ40% ولن تتمكن بالطبع من تقديم تعليم بجودة عالية، ومن ثم فإن الزيادة السكانية بمستوياتها الحالية لن تؤدى على الأرجح إلى زيادة فى أعداد المنتجين والمبدعين وستضاف الزيادة السكانية أو معظمها على أفضل تقدير إلى رصيد المتعطلين.

2) ستؤدى الزيادة السكانية إلى زيادة فى حجم الطلب على السلع دون أن يصاحب ذلك زيادة فى متوسط دخل الفرد ومن ثم لن تؤدى إلى تحريك التصنيع المحلى ومن ثم سيتم إشباع الطلب على السلع من خلال مزيد من الاستيراد الذى يجعل مصر سوقًا واعدة لتصريف السلع التى تنتجها دول أخرى.

3) ستؤدى الزيادة السكانية حتما إلى تراجع فى نوعية الحياة وإلى تراجع فى إتاحة الخدمات الأساسية وإلى تدنى جودة هذه الخدمات، كما ستؤدى إلى مزيد من التزاحم الذى يؤثر سلباً على السلوكيات والأخلاق العامة.

4) ستؤدى الزيادة السكانية حتماً إلى الإضرار بالبيئة واستنزاف الموارد الطبيعية لاسيما الأرض الزراعية ومصادر الطاقة.

5) ستؤدى الزيادة السكانية إلى تزايد الاعتماد على الخارج وستسهم فى خفض درجة الاكتفاء الذاتى من السلع الاستراتيجية مثل السلع الغذائية ومصادر الطاقة، ومن ثم ستؤدى إلى صعوبة استقلال القرار الوطنى فى فترة دقيقة يمر بها الوطن.

أظن أن هذا التحليل سيقنع البعض أن الزيادة السكانية بالمعدلات الحالية وفى الظروف الحالية ستؤدى بمصر إلى كارثة محققة، إلا أن البعض الآخر سيثير تساؤلات مشروعة يجب مناقشتها حتى يصل المجتمع المصرى إلى توافق حول التعامل مع الزيادة السكانية.

■ التساؤل الأول: هو كيف نقول إن مصر بها مشكلة سكانية فى حين أن الصين تفوق مصر من حيث عدد السكان وتحرز تقدما اقتصاديا هائلا؟

نجاح التجربة الصينية يكمن فى أنها تمكنت من خفض معدلات الزيادة السكانية باتباعها سياسة الطفل الواحد من نهاية السبعينيات وهو ما ساهم فى إحداث نهضة اقتصادية. ذلك أن تخفيض عدد الأطفال أدى إلى توجيه موارد التعليم إلى أعداد أقل من التلاميذ مما أدى إلى طفرة فى مخرجات التعليم، هذه الطفرة أدت بدورها إلى ارتفاع إنتاجية الجيل الجديد من الصينيين تمكن من إحداث قفزات أذهلت العالم. وصحيح أن عدد سكان الصين يساوى 15 ضعف عدد سكان مصر ولكن صادرات الصين تساوى 100 ضعف صادرات مصر، كما أن عدد براءات الاختراع فى الصين تساوى 400 ضعف عدد براءات الاختراع فى مصر. وعندما تصل إنتاجية المواطن المصرى إلى المستويات العالمية فلا أظن أن أحداً فى مصر سيتحدث عن الزيادة السكانية باعتبارها عبئا على كاهل الوطن، ولكننا سنحتفى بلا شك بهذه الزيادة.

■ التساؤل الثانى: كيف نشكو من الزيادة السكانية فى حين أن المساحة المأهولة لا تتجاوز 6% ولم نقم باستغلال باقى مساحة مصر؟

يعكس هذا التساؤل لأول وهلة وجهة نظر جديرة بالاهتمام، إلا أن قدرة المناطق الصحراوية على استيعاب السكان تبدو ضئيلة للغاية مقارنة بحجم الزيادة السكانية التى تشهدها مصر. وعلى سبيل المثال، فإنه ما بين عامى 1996 و2006، قدر حجم الهجرة إلى المحافظات الحدودية مجتمعة بـ 300 ألف مواطن، أى 30 ألف مواطن فى السنة، وهو ما يعادل مواليد 5 أيام. أى أن إعادة توزيع السكان وهو أمر مرغوب بلا شك إلا أن تأثيره لا يتناسب مع حجم المشكلة. فمع الترحيب باستخدام أفضل للأراضى فى مصر، إلا أن الإفراط فى التفاؤل وعدم أخذ محدودية الموارد الطبيعية (لاسيما المياه) فى الاعتبار لن يؤدى إلى حل المشكلة على أرض الواقع.

■ التساؤل الثالث: تشكو بعض الدول الأوروبية التى شهدت تراجعاً فى معدلات الزيادة السكانية من نقص فى السكان فى سن العمل وتعانى من تشيُّخ مجتمعاتها، فهل نريد أن نكون مثلهم؟

الرد على هذا التساؤل يكمن فى أن المطلوب فى مصر ليس تخفيض عدد السكان ولكن تخفيض الزيادة السكانية. فبدلا من أن تضيف مصر كل عام 2 مليون و600 ألف مولود، فلنخفض هذا العدد إلى مليون مولود. وهو هدف يمكن تحقيقه لو اكتفت كل أسرة بطفلين. وهذا الهدف السكانى لن يؤدى إلى المشكلات التى تعانى منها أوروبا ولكنه أيضاً سيحول دون حدوث السيناريو الكارثى. وفى هذا الصدد نشير إلى أن عدد المواليد السنوى فى مصر يساوى مجموع مواليد أربع دول أوروبية مجتمعة هى فرنسا وانجلترا وإيطاليا وإسبانيا.

فى النهاية، فإن مشكلة الزيادة السكانية التى تشهدها مصر هى مشكلة متعددة الأبعاد تم السكوت عليها طويلا. وعلى الرغم من تأثيراتها السلبية على جودة الحياة وعلى جهود التنمية فى مصر وعلى الاستقرار السياسى، إلا أنها لا تحظى بالاهتمام المناسب الذى يتسم بالجدية ويبتعد عن التناول الموسمى. فهل نفيق قبل فوات الأوان؟



استطلاعات اخري

المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) هو مركز مستقل، ولا يوجد له أية انتماءات حزبية أو سياسية، لإجراء بحوث الرأي العام بحيادية ومهنية. تأسس المركز في إبريل 2012 في أعقاب ثورة 25 يناير، ويلتزم بتزويد الباحثين، وواضعي السياسات، وقادة الأعمال، وعامة الناس بمعلومات موثوق بها عن مستوى واتجاهات الرأي العام بخصوص الموضوعات والسياسات ذات الاهتمام العام.

للاشتراك - ادخل بريدك الالكتروني

Back to Top