رقم فى حياتنا!

مقالات
اعتاد مركز «بصيرة» لقياس توجهات الرأى العام أن يقدم خدمة يومية لمن يريد على شبكة «الإنترنت» قوامها رقم واحد يستخلصه من مصادر المعلومات المحلية أو الإقليمية أو العالمية ويرسله لمن يهمه الأمر. الرقم الذى يجرى اختياره من قبل المركز وقائده الدكتور ماجد عثمان يكون عاكسا لحقائق كبرى فى حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا خاصة فى الفترات الانتخابية. هذا التقليد رغم أنه لا يتجاوز رقما واحدا، إلا أنه يكون بمثابة الضوء المركز الذى يظهر قضية لا يمكن تجاهلها، أو ينبه لخطر لا يصح غض البصر عنه. سيرا على هذا التقليد فإن نهاية شهر مايو المنصرم شهدت فيضانا كبيرا من الأرقام التى وفرتها الحكومة للإعلام المصرى تدور جميعها حول النتائج الإيجابية لبرنامج الإصلاح الاقتصادى من خلال مؤشرات رقمية توضح التقدم الذى حدث فى المؤشرات الكلية للاقتصاد من ناحية (معدل النمو والدين العام والأجور والبطالة وعجز الموازنة .. الخ)، ومن ناحية أخرى حجم العبء الذى كانت ولا تزال الحكومة تتحمله نتيجة الدعم العينى والنقدي، حتى الآن.

ومن بين غابة الأرقام الكثيرة لفت نظرى الأرقام الخاصة بالضرائب والتى أظنها تصلح مدخلا مهما ليس فقط لقضية الإصلاح الاقتصادى فى مصر، وإنما أيضا قضية التنمية كلها. ففى بداية تطبيق البرنامج 2015/2016 بلغ الحجم المحصل من الضرائب 306 مليارات جنيه، ومع تنفيذ البرنامج يقدر أن يصل حجم الضرائب فى 2018/2019 إلى 770 مليار جنيه، أى بزيادة قدرها 151.63% تقريبا. هذه الزيادة، ووفقا للبرنامج الحالي، من المقدر لها أن تصل إلى 1٫4 تريليون جنيه فى عام 2022، أى أنه فى نهاية الفترة الرئاسية الثانية سوف يكون قدر الضرائب ضعف ماهى عليه الآن. هذه الأرقام تعنى اتساعا كبيرا فى القاعدة الاقتصادية للبلاد من ناحية، ومن ناحية أخرى توسعا كبيرا فى حجم أعمال القطاع الخاص فى مصر، فضلا عن زيادة كفاءة التحصيل للجهاز الضريبى فى مصر.

فكما هو معلوم فان حجم الفقر فى مصر، وهو المعفى من الضرائب، يبلغ 30 مليونا تقريبا، كذلك فإن هناك 8000 جنيه تمثل حد الإعفاء لمحدودى الدخل وهو ما يستبعد الغالبية الساحقة من موظفى الحكومة والهيئات والشركات العامة. هنا فإن القدر الذى تحقق، والقدر الذى نسعى إلى تحقيقه سوف يحتاج إلى مناخ أكثر إيجابية بين الحكومة والقطاع الخاص والذى سوف يوفر من الدخل والسلع والخدمات والتفاعلات القابلة لفرض الضريبة بما يكفى لتحقيق هذا الهدف.

توسيع القاعدة الاقتصادية بما يفوق الزيادة السكانية، وأكثر من ذلك يرفع من القدرات التعليمية والصحية والمهارية للسكان، هو فى النهاية الذى يحقق التنمية التى تكفل الموارد للدولة من خلال الضرائب من ناحية، وترفع مستوى معيشة المواطنين من ناحية أخري. مثل ذلك لا يحدث من خلال تخلى القطاع الخاص عن نصف دخله للدولة كما جرى الاقتراح أخيرا، وإنما من خلال استخدام كل دخله، أو الجزء الأعظم منه فى الاستثمار سواء كان ذلك بالتوسع فى مشروعات قائمة، أو إقامة مشروعات جديدة، حيث يكون ذلك هو الذى يرفع معدلات النمو، ويزيد من معدلات التشغيل، ويضيف موارد الضرائب للدولة كلها. هنا يصير جوهر التقدم فى مصر ليس ما «يتنازل» عنه الأغنياء أو رجال الأعمال إلى الحكومة لكى تقوم بمهمة غير مؤهلة لها، وإنما توفير الظروف الإيجابية الكافية التى تجعل هؤلاء يقومون بالوظائف الاجتماعية التى يحسنون الأداء فيها، وهى تحقيق تراكم الثروة لهم وللمجتمع معا. والحقيقة أن هناك حاجة ملحة لمزيد من الأرقام فى مصر التى يمكنها أن تقيس حجم التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية الجارية فى المجتمع والتى يمكنها أن تحسم الكثير من القضايا المثارة مثل مدى المساهمة التى تقدمها الجمعيات الأهلية فى تحمل أعباء المجتمع من تشغيل ومحاربة للفقر، ومدى المساهمة التى يقدمها القطاع الخاص للدخل الضريبى على سبيل المثال. والمسألة هنا ليست فقط قياس الأنصبة بين القطاعات التى تدفع، وتلك التى تدفع أقل، أو تلك التى لا تدفع، وإنما لكى نعرف مدى العافية والطاقة الإيجابية فى الاقتصاد الوطني. وللتوضيح فإن وسائل إعلامية نشرت أخيرا حجم التفاعلات الجارية على شبكة الإنترنت فى العالم خلال دقيقة واحدة أو 60 ثانية. وقالت الأرقام إنه خلال هذه الفترة القصيرة فإن هناك 973 ألف تسجيل دخول على موقع«الفيسبوك»، 3.7 مليون عملية بحث عبر «جوجل»، و266 ألف ساعة مشاهدة على «نتفليكس»، و38مليون رسالة عبر تطبيق «هواتسآب»، و863 ألف دولار مشتريات، و25 ألف صورة، و18مليون رسالة نصية، و 4.3 مليون مشاهدة فيديو، و375 ألف تحميل، و174 ألف تصفح، و481 ألف تغريدة، و187 مليون رسالة إلكترونية. كل ذلك خلال دقيقة واحدة، فماذا تكون الحال خلال ساعة أو يوم أو شهر أوسنة، ودون الدخول فى كثير من التفاصيل فإن كل ذلك يعكس حالة من التفاعل الإنسانى فى مجال واحد هو الاتصالات، فإذا ما أضيفت له جميع أشكال التفاعل الإنسانى من تجارة وإنتاج وابتكار سوف نعرف أى ثورة يعيشها الإنسان فى هذه المرحلة من التاريخ.

على هذا المنوال فإن مصر تحتاج بشدة لثورة رقمية تقيس مثل هذه التفاعلات بين المصريين وتطرحها على المجتمع والدولة، والمرجح ساعتها أننا سوف نجد تقسيمات جديدة بين المصريين غير تلك التى تعودنا عليها بين الفقراء والأغنياء، والحضر والريف، والشمال والجنوب، والنخبة والمجتمع. وإذا كان العالم كله يزداد تعقيدا كل يوم كما رأينا بفعل الثورات التكنولوجية الراهنة، فإن مصر هى الأخرى لم تعد كما كانت فى بساطتها وتقليديتها، والخشية هى أن ما نفعله من أعمال ونشنه من مبادرات قد يناسب دولة أخرى غير تلك التى نعيش عليها. لاشك أن هناك جهدا كبيرا يبذل فى مصر الآن، والظن أن المرحلة المقبلة سوف تعطى بما هو أكثر، ولكن المعرفة وحدها هى التى تعطى للجهد صوابه، وهى التى تعفى البلاد من كثير الجدل الذى لا صواب فيه.



استطلاعات اخري

المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) هو مركز مستقل، ولا يوجد له أية انتماءات حزبية أو سياسية، لإجراء بحوث الرأي العام بحيادية ومهنية. تأسس المركز في إبريل 2012 في أعقاب ثورة 25 يناير، ويلتزم بتزويد الباحثين، وواضعي السياسات، وقادة الأعمال، وعامة الناس بمعلومات موثوق بها عن مستوى واتجاهات الرأي العام بخصوص الموضوعات والسياسات ذات الاهتمام العام.

للاشتراك - ادخل بريدك الالكتروني

Back to Top